Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

مقدمة

لمحبى الشعر العمودى

 

لماذا نكتبه حراً :

 

لم يكن العرب يعرفون هذا اللون من الكتابة، ولم يكن هناك إلا الشعر أو النثر، والشعر كما كان معروفاً، كان الكلام الموزون المقفى، وعلى هذا تعارف العرب، وما دون ذلك من كلام غير موزون ومقفى يصطلح على تسميته نثراً، وعلى هذا قال الشعراء شعرهم، ولست معترضاً على هذا اللون سواءاً كان يكتب فى ذلك الوقت أو يكتب الآن، وأرى أنه ليس من حق أحد أن يعترض على أى لون من ألوان الكتابة، أكتب ماتشاء، ولاتعترض على كتابات الآخرين لأن هناك آخرون ينتظرون كتاباتهم ويقرؤونها، إذا فما هذا اللون الجديد من الكتابة ؟

 

كان الشعر غير مكتوب فى مجلات وكتب ملونة يقرأها الناس فى الأسرة وعلى الشواطىء، بل كان يلقى فى الأسواق والمنتديات والمجالس، وكانت له فى ذلك منزلة عظيمة، وكان الحكام والأمراء يقربون إليهم الشعراء لأن القصيدة كانت تقوم مقام وسائل الإعلام حالياً، فى الإخبار عن الأحداث وأخبار الدولة، ولعلنا نذكر قصيدة البحترى فى افتتاح بركة جديدة، ولافارق كبير بينها وبين نشرة الأخبار التى تخبرنا عن افتتاح مبارك لكوبرى جديد أو افتتاح أحد الوزراء لمحطة مترو أنفاق جديدة، بالطبع القصيدة لها شكل فنى رائع يختلف عن نشرة الأخبار ولكن المضمون متشابه حتى وإن كانت الصورة الشعرية التى ينقلها الشاعر فى قصيدته تختلف تماما عن الصورة التى ينقلها التلفاز لمشهد افتتاح الكوبرى.

 

كما يحضرنى أيضا موقف الشاعر العظيم المتنبى عندما أراد أن يعلم أمة المسلمين  - التى كانت تمثل النصف المضىء من الكرة الأرضية فى ذلك الوقت – عندما أراد أن يعلم الأمة بموت أخت سيف الدولة فيقول بيتين من الشعر ينتقلان إلى أقصى أرجاء الوطن العربى أسرع من الرسل التى يرسلها الخليفة وأبلغ منها وأعم فى الوصول إلى التاجر فى سفره والمزارع فى حقله إذ قال :

 طوى الجزيرة حتى لفنى خبر

            فزعت فيه بآمالى إلى الكذب 

فلما لم أجد بداً أن أصدقه

            شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بى        

لقد كان الوزن يقوم مقام الأثير، كيف ينتقل كلام نثرى يستعصى على الذاكرة، لابد من إيقاع يسهل عملية النقل، يحدو به الحداء فى الصحراء ويشدو به المترنمون فى مجالسهم، وحقولهم، وليس غريباً إذاً أن يقول سيد البشر أن الشعر هو ديوان العرب، نعم هو ديوان العرب الذى حفظوا فيه أحداثهم ، وحروبهم،  ومشاكلهم، وأفراحهم، نعم إنه ديوان العرب بلا شك.

 

والسؤال الآن هل مازال هذا اللون مطلوباً !؟

 

ربما بعد المقدمة التى قلتها قد يبدو أنه لون قد انتهى وقته، ولكنى أراه لون مهم مازال موجوداً ومطلوباً، وإن كان ظهر إلى جواره لون آخر لايتلى فى الأسواق ولايصدح به فى الغناء، ولا يتغنى به المسافرون فى القطارات والطائرات، لون كما أسلفنا يُـقرأ فى كتب ملونة، صغيرة، وتجده فى أيدى الناس فى السفر الطويل يقطعون به طول الطريق،

 يتكلم عن دقائق مشاعرنا دون صخب، ودون هتافات ودون إيقاع، إنه كلام مكثف وغير مباشر، بكلمات قليلة منه ننتقل إلى عوالم أخرى داخل أنفسنا أو خارجها، وننبهر بهذه العوالم، عندما نجدها عوالم غريبة، وقريبة إلى حد أنها هى هى عوالمنا.

 

لم يكن من حق " العقاد "  أن يرفض هذا اللون الجديد ولم يكن من حقه أو حق غيره أن يرفض أى لون من ألوان الكتابة أو الفنون، إلا أن كان الأمر يتعلق بأسباب أخلاقية أو شرعية، والأمر هنا بعيد عن كل هذا، فالفن إذا تعددت صوره وأشكاله لم يمثل بعضه خطراً على بعض، والساحة مفتوحة لمن يريد أن يبدع بالشكل الذى يبتكره ويحتاج إليه الناس، ولم يكن من حق " أحمد عبد المعطى حجازى " أن يهجوه لأمر كهذا، قائلا له : أتعيش فى عصرنا ضيفاً وتشتمنا، ليست العصور لأحد هاهى الأيام تدور ويكتب تلامذة حجازى النثر الشعرى أو الشعر النثرى، ويجرون ماكان يكتبه هو من شعر التفعيلة، ولايعلم أحد من هو الضيف ومن هو المقيم فكلنا ضيوف مؤقتون، كلنا كلنا فقاقيع من الصابون، تحمل من اللمعة والبريق مايعجب ولكنها سرعان ماتنفثىء.

 

فليكن إذا الشعر العمودى بتاريخه وصلصلته وجلجلته، بل وصرخاته وهتافاته، وأخباره ودواوينه، فليكن كما كان من قبل وليكن فيه الجديد مع كل عصر جديد، وليكن كذلك الشعر الحر والنثر الشعرى وكل لون من الفن جديد.

 

كثيراً ما أحن إلى الشعر العمودى، فأعمد إلى مكتبتى، وكأنى أعود إليها على صهوة الشوق أبحث بعينين متلهفتين على ديوان المتنبى بعشقه وحكمته وأهيم معه عندما يقول مثلا : 

وبسمن عن برد خشيت أذيبه

            من حر أنفاسى فكنت الذائبا

أو يقول  :    

أظمتنى الدنيا فلما جئتها 

            مستسقيا مطرت على مصائبا

 

وكثيراً ما أصطلى بجملة أمل دنقل المحترقة، وبخطابه الذى تنبعث منه رائحة عرق الجهاد والاعتراك مع الحياة، ومن منا لم يهم بقصيدته الشهيرة لاتصالح، ويقرأها مرات ومرات.

 

ليس هناك فن يظهر على جثة فن آخر ويجمع محبى الفن القديم ليحرقهم فى ميدان عام، ويشنق الفارين إلى الفنون المجاورة.

 

ليس الأمر كذلك، ليس كذلك أبداً.

 

 

                                                                                                محمد رياض الشوربجى

 

[اتصل بنا]    [الصفحة الرئيسة]    [الشعر]    [القصة]       [الفكر والمقالة]