Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

رواية الصمت بعد المداولة
 

إهـــــــــــداء

 

 

إلى كل من هب ودب، بل إلى من لم يستطع أن يهب، وخاف أن يدب، فأنا لاأستطيع أن أتجاهل الشعوب، مكتفياً بمن حكموها، كما فعل التاريخ ذو الذمة الواسعة.

 

 

محمد رياض



 

مقدمة لاداعى لها أصلاً

 

 

 

جرت أحداث هذه الرواية منذ مايقرب من ثلاثين عاماً، أو ربما ستجرى بعد مايقرب من ثلاثين عاماً، أو أنها لم تحدث بعد، عفواً،  لم أعد أذكر منذ أن لانت عظامى وتقوس ظهرى، وارتعدت أطرافى، لكنى أذكر جيدا ً أنها حدثت عندما كنت أسعى بين ملايين الساعين خارج أبواب التاريخ المتآكلة العتيقة منهكين، نرتدى ملابس متشابهة، وأحلاماً متشابهة، ونكظم غيظاً متشابهاً، وشعوراً ما بالغربة.

 

كنت قد ارتكنت بظهرى واتكأت إلى حيث لامتكأ، ثم نظرت، نظرت إلى مرمى بصرى، فوجدتنى قد فقدته، ولم أعد أرى سوى أشباح بعيدة مرعبة.

 

على أى حال، كان لابد أن أسجل هذه الأحداث، حتى لاأنساها، وأرجو المعذرة على تعجلى فى السرد، ونسيانى بعض الأحداث، فسبحان من لاينسى ولاتغيره الحوادث، فلربما رويت حدثاً قبل حدث أو بعده، بل ربما نسيت بعض الأحداث، أو أشرت إليها، وربما كتبت كل شىء، ولكن - كما تعرفون- الريح أطارت كثيراً من أوراقى، معذرة، فأنا أكتب إليكم من هنا، من تحت المطر.

 

 

محمد رياض

 


 

 

"ولادة متيسرة"

 

 

 

 

 

 

 

كنت أغلق على نفسى الغرفة وأخرج مسطرة خشبية أبارز بها الأعداء، وأقتل ذباباً كثيراً، فى نفس الوقت الذى كانت فيه البنات يخرجن ملطخات الأوجه وقد جربن المساحيق.

 

 مع ذلك لو صدق كلام "أنيس منصور" عن تناسخ الأرواح أحسب أننى كنت أصلاً عنترة بن شداد.

"أنا متأكد ، ورغم اختلاف اللون، فحتى الآن مازلت أكتب شعراً جاهليا فى أوراق سرية، ترى لو رجعت إلى أصلى بشىءِ من التركيز ‍‍‍‍‍!!!؟

"أووووه.. 

ستكون مفاجأة رهيبة للبشرية كلها وربما لى – أنا نفسى – أيضاً، سأخرج إليهم حاملاً سيفى ورمحى فقط سأغمض عينى هكذا ..

هكذا .. نعم..، نعم هكذا..، ياااه ..

 

 كم أنا عنترة ‍‍‍!!!، إننى فعلاً هو حتى يدى أصبحت سوداء، يااااه صورتى فى المرأة هى عنترة للغاية، هكذا كان يغمز بعينه اليسرى لعبلة، ربما حتى لايراه مالك، وهكذا أيضاً، ويمشى ممشوقاً يرتز كالرمح .. هكذا وهكذا كان يقذف بالرمح..

أوووه..

 

لابد من فعل شىء حتى لايكتشفوا  تهشم المرآة برمحى، لابد أن أبدل ملابسى،  لم تعد لائقة، فروة الخروف هذه ستنفع، ويكفى لهذا السيف العربى المعلق على الحائط ، كل هذا السكون، سأبحث له عن دور أفضل.

 

نعم لابد من مفاجأة الجميع، ربما فى مكان مزدحم، نعم ، ربما كميدان التحرير مثلاً، سأكون حديث القنوات الفضائية والمحلية والعنوان الرئيسى فى كل الجرائد العربية:

 

"عنترة بن شداد" يظهر من جديد فى مصر"

 

هل ستقوم حرب كبيرة لإعادتى إلى بنى عبس؟، ربما تكون حرباً أشد من "داحس و الغبراء" أو أكبر من حرب "البسوس"، على أى حال لايهمنى، أنا سيد الحروب، وأستطيع أن أحصل على كل الجنسيات العربية.

 

هذا القومسرى الغبى يضحك، ربما لايعرفنى، ياااه،  إننى أستطيع قتل كل هؤلاء الواقفين فى محطة الأوتوبيس، رغم أنهم أكثر من بنى عبس أنفسهم، ولكنى لاأقتل العزل طبعاً.

 أيها الناس ..

 أيها الناااااس ..

هلموا إلى ّ..، أيها الناااااااس

هلموا إلىّ، هلموا إلى داعى الخير قد جاءكم من بين غبار السنابك.

من بين العاديات المغيرات متوسطات الوغى

هلموا فقد آن أوان العرب

لقد آآن أوان العرب

حرمت على سيفى غمده وعلى عينى النوم

أيها السائق الغبى ‍‍‍، هل تريد أن تدوس عنترة !!!؟،

أيها الناااااس

 لقد انتظرتمونى كثيراً، حتى وجدت نفسى، وهاهو قد حان أوان النزال ...

نعم حان وآن أوان النزاااال ...

سأعيد السبايا، وأرد الغنائم، وسيفتح الأطفال أعينهم على آباء كالجبال من فرط عزتهم..

أيها لعرب، هذه أرضكم السليبة تحت ظل سيفى المهيب فإن شئتم هويت به على أعدائكم.

اليهود لن يتركوا أرضكم لمجرد أنكم تحسنون المفاوضات والجلوس حول الموائد المستديرة.

 

أنا عنترة الذى لايرضى بالتفاوض حول حق سليب، أنا عنترة، أيها النااااس.

 

أيها الغوغاء والحكام، سأنصح فيكم برمحى لتعود عروبتكم محضة فلا تركعوا أمام أبواب بنى الأصفر.

أيها العرب أنتم العرب العرب وهؤلاء إن هم إلا أعاجم، مجرد عجم.

 

أيها الناس :

 

ثم أنشد يقول وهو يهز رمحه فى الهواء، وقد بدأ الناس يتجمعون فى شبه دائرة واسعة وكأنهم على حذر منه ولكنهم كانوا من آن إلى آخر يضيقون الدائرة :

 

 

حَملـتُ حمَـائِـلَ النـُّـوق ِ

علـَــىَ وَعْـــر ٍ فيـافيـها

وجُبْتُ مَسَــاكِنَ الجـِـنِّ

فلـمْ أعـبَـــأ بـِمَـا فِيـــهَا

وليس الفخر من شيمى

إذا صــاح الورى تيــها

إذا جفـَّـــــت لـنا عيـــنٌ

فسَـيْفِـى سَـوْفَ يُجْريهَا

أقـــبٌ فــِـى كـَــرَادِيــسٍ

وتـُـسْـئِـدُ إذ أخَــلـِّيــــهَا

 

 

أيها العرب

أيها العرب

أيها العرب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

" أمَّــا بَعْـــد "

 

 

 

أما بعد ،،،

فقد هام عنترة على وجهه، لايعرف معروفاً ولاينكر منكراً، فى العتبة ومدينة نصر والهرم والناس لايسعهم من أمره إلا الابتسام أو الضحكات حتى إن بعض الشباب تماجن معه، فقال أحدهم :

-          ترى ماذا كانت تقول لك عبلة بعيداً عن الأعين ؟

وقال آخر

-          هاه صف لنا شَعْـرَ عـَبلة ياعنتر

-          هل كانت زميلتك فى الجامعة ؟

-          أنا عارف، نصف المجانين بسبب الحريم

يضحكون ..

-          والنصف الآخر بسبب قلتهم.

 

على أى حال كانت هناك تعليقات، أنا غير مستعد لارتكاب جنحة، والحبس ستة أشهر، بذكرها هنا، ، ولكن طبعاً أنتم تصدقونه، طبعاً، بدليل أنه عنترة نفسه .. هاه، أليس كذلك، إنه عنترة تماماً.

 

وقد ضاق عنترة بأمره وقصرت عنه همَّـتـه، وتهكم به الناس، واستهانوا بأمره والتفتوا عنه إلى أمورهم حتى صار من الوجوه المألوفة فى بعض شوارع القاهرة، يدور حاملاً سيفه ورمحه ويهدد اليهود بالويل والثبور.

 

عندما خرج عنترة من "مستشفى الأمراض العقلية" بالعباسية، خرج معه خلق كثيرون، كانوا يدعون النبوة، ثم اكتفوا بعنترة وكانوا يسيرون وراءه فى كل مكان، يهيمون على وجوههم مرة أخرى فى شوارع القاهرة، وكانوا يسيرون خلفه فى كل مكان، ثم إنهم صنعوا لأنفسهم خياماً من أجولة الأرز والسكر الفارغة، وجعلوها حول خيمته، الأكبر والأضخم، ثم أضرموا النار – شعار الكرم - .

 

لم يتردد الناس عليه هكذا فجأة، بل إن المكان الذى اتخذه برحابته خارج القاهرة، كان يشيع فى النفوس شيئاً من الإرتياح، وسماع الشعر العنترى كان يلائم الصحراء باتساعها والسماء بنجومها والخيام بذكرياتها، والحقيقة أن الأمر بدأ بأحد الأطباء النفسيين الذى أراد أن يزور المكان لأسباب بحثية، وكان قد أخذ معه أحد أصدقائه، الذى كان يعمل كمدرس للغة العربية بكلية اللغة العربية، بجامعة القاهرة، حيث كان يشرف على بحث أحد طلبة الماجستير وكان عنوانه "شعر عنترة العبسى"، ومالبث أن أخذ يصرخ ويقول هذا شعر جاهلى فعلاً، هذا الشعر غير موجود فى تراث عنترة، ثم التفت إلى صديقة الطبيب وهو يسأله بجدية :

-          هل يمكن أن يكون عنترة فعلاً ؟

 

 

                                            الجزء الثانى