إلى أبى وأمى
ملجآن للآمان
محمد
شرفـتان
آه من عينىُّ
شرفتان ..
تطلان على مشهد الغرق
كلما أغلقتهما ..
ضجت فى المشهد الحياة !
رَجـُـلٌ سِنْدريــــلاّ
محمولاً على رجليه
رعشة يديه تنثر ماء المطر وبعض الذكريات
ومن حينِ ٍ لآخر ..
يتوقف ..
ويمسح على شعره القطنى
ليتأكد أنه مازال يرفرف ..
كراية بيضاء ..
فى هواء الغروب
ثم يعود ..
ذراعاه يهتزان ..
كأرجوحة أطفال مكسورة
يستطيع أن يميز دموعه ..
بين قطرات المطر
بعض المحتمين بالشرفات يحدجونه
بينما يحتمى تحت ظهره المقوس ..
كقبة أندلسية مائلة ..
ترقص تحتها جوارى الخليفة
جسده - الكهف القديم - ..
لم يعد يصلح
منذ ملأته الهواجس
بالأشباح والخفافيش
لكنه كان يختلس لحظات نومه
ليطير عنه بعيداً
إلى أضواء المدينة
لكنه كان يعرف أنه ..
يجب أن يعود قبل الصباح
فيتقمص جسده قبل أن يوقظوه
ثم يكفن نفسه فى سترة العجائز.
تقريباً..
كحكاية "سندريلا".
أوركســـترا
على أرض المقبرة الرطبة
فى تلك الساعة الباردة
من مساء زهرة عشوائية
تقاوم أطرافها الذبول..
يسرن بين قطيع من العويل
تجرجره المتشحات بالسواد
ويرتلن نهايات الحروف ..
بدندنة لاتشبة الغناء.
بنشيج أصواتهن المتهدلة ..
بالنحيب.
كحمامات سوداء ..
أصيبت أجنحتهن برصاصات طائشة
ويرفرفن بسواد طرحاتهن ..
فى الهواء.
يحملن باقات الهم ..
على صدور مكورة بالكآبة
بينما ينفث الرجال كثيراً من الصمت
تحت مظلة السماء
هـِىَ .. هِـى َ
بابتسامة باهتة متدلية
كالذى اكتشف الطريق الخطأ ..
عند نهايته
ودعتنا
رأسها إلى الخلف قليلا
وشعرها الأبيض مطروحاً خلفها
لماذا تبدو النساء ..
أكثر رهبة فى سحنة الموت ؟
مسجاة كانت
متوشحة بالصمت والهواجس
* * *
كمثل كل الأموات
ستنزع الجلد عن رأسها ببطء
لتظهر فما فاغراً
وعينين مكورتين بالرعب
لتخيف أشباح المقابر
هى هى نفسها
هى التى تركت كلماتها تنمو بيننا
فى الأركان
وفى إصيص الزهور.
أرمـلة
كبستان من الإبتسامات الذابلة
تجلس
وكأوراق تقويم هجرى مبعثرة
تلملم عباءتها السوداء
وتشيح بصمتها عن الحياة
ثم تتنهد
كآخر موجة فى البحر اعتزلت الهدير
بينما عكست الشمس ..
على وجهها ..
بقايا أيام قد خبت
جالسة كانت
بين حقل يابس من ذكريات
أهملت آمالاً صغيرة ..
ترعى حولها ..
بين بعض الدجاجات
ومن حين لآخر
تلهب الجو بتنهيدة ساخنة
وتنفض يدها
ناثرة بعض الحبوب والهموم
وكساقية صدئة
ربما أدارها فلاح
مات منذ ألف عام
ترتل كلماتها
لطرحتها السوداء تسعى بعض نسائم
فترفرف كعلم للأرامل
مرفوعاً
بين حافة الحزن ..
وحافة البكاء
كلماته آسفة فى كل ركن
لم يكن مجرد زوج مات
تاركا خلفه شبابها
وثلاثة أطفال
وحديثة كلمات
وعشرين دجاجة
وسرج حصان.
وَصِــيَّةْ
ملبّد صدرى بالحزن ...
مثل الثكالى.
آه ...
يادموعهن ،
ياوحرتهن،
يافزع الأرامل
إذا بالخبر علمن
لاتبكين على،
إذا سجيت على فراشٍ
وغطى وجهى،
لاتبكين،
فقط ادفنونى
وقلن :
" إرحمه يارب فقد مات ثانية"
وابسمن بعدها يانساء
وانعمن بأحضان رجالكن
المقابر مكسوة برهبة الصمت
والعابرون …
يشيحون بأوجههم بعيداً
بينما تتصاعد منها أعمدة طويلة ..
من السكون
تصلها بالسماء
* * *
أعرف أن حديثاً ما
يدور بينها فى الخفاء
كأنا ديار قرية شريرة
تبث مصابيحها ضوءاً شاحباً
يسكنه الصمت والأشباح
المقابر …
كتل من الخوف والهم
متراصة مصففة
حيواناتٌ أسطورية ٌ رابضة
تتورك جانبى الطريق
وتتحرش بهواجس العابرين
وأنا …
كلما عبرت من هنا
أحكم زجاج السيارة جيداً
أعرف أن أحدها يعرفنى
ويحدجنى بطرف عينه،
يحدجنى
أخشى أن ألتفت فتلتقى عيناى بعينيه
فيقهقه،
قبل أن يجذبنى من طرف قميصى
ويغيـّبنى .
للحزن عائلات
للحزن عائلات
أعرف بعضها
وتعرفنى بكنيتى واسمى
للحزن جذور تضرب فى بطنى
قبل أن تثمر فى عينى
وتخط بإصبعها
تجاعيد وجهى
نعم
للحزن أمطار الشتاء
التى يهرب منها الريفيون..
إلى بيوتهم المسقفة بالخشب
وقش القمح وجريد النخل
فتتساقط إذ تنسل منها
على رءوسهم العارية
هل تعرفون الآن
لماذا يتعمم الريقيون
ولماذا أخرج أنا متسللاً
من سكونى
متخفيا خلف ضحكات عريضة باردة
وأكتب رسائل مطولة
لأسخاص لاأعرفهم
على الجانب الآخر من الأرض
هناك ؟
ولماذا يبدو قلبى كهفاً مهجورا فى صحراء الربع الخالى ؟
للحزن عائلات
لها شكل المدية فى مذبحة جماعية
للحزن صدأ مرير الطعم
يترك فتاته فى الحلق والروح
للحزن ..
عائلات
أحداث المظاهرة الأخيرة
بأعناق مطأطئة
وأكتاف مرتخية
وأذرع متدلية
ووجوه مغشاة بعباءة الوجوم
إلى طرف المدينة الغربى
خرجنا
نرفل فى بطء الحزن
تحفنا مهابة النهاية
خلف عيون من الغيوم
ثم ،،،
أسلمناه، كاعتراف عملى بالنتيجة
وإمعانا فى الاعتراف
أهلنا عليه التراب.
فــى الحديــقة
هناك فى الحديقة
على الأريكة الخشبية الطويلة
بعض الإحباط والحرج
وقليل من الإنتصارات
المغطاة بأوراق خريفية
وأنصاف سنوات وبقايا أيام
تتكلس جميعها
وتتجلى فى تجعيدة الوجنات
على الأريكة الخشبية الطويلة
دائما تحتفى الأشجار بها
وترسل عليها أوراقاً خريفية متطايرة
هى تفرح بها عند هواء العصر
وتغمض عينيها بسعادة.
فى كثير من الأحيان ..
وهى تتحسس ..
قفصها الصدرى الواهن
إذ تخفى خلفه طائراً برياً
ذا عينين جريئتين
كلما أغمضت عينيها
رفرف فى نشوة ..
وحدق ..
منتظراً فجوة فى القفص
بينما تغافله هى
وترسل زفيراً طويلاً ..
بدلا منه !
وَحْـشَـة
السماء مطفأة المصابيح
والشهر العربى فى ساعاته الأخيرة
يلملم عباءته عن شاطىء النيل
بينما القرية على الشاطىء الآخر
كتلاً طينية هاجعة
كمقابر شعوب بائدة
والشجر أشباح منتصبة
توحدت مع الليل لوناً واحداً
شامخاً كان كأنه ..
يتحمل مسئولية الليل
بينما يتخلل البرد الفراغات
فى هذه الحلكة الدامسة
خلف حفيف أوراق الشجر ..
وهسهسة الريح
كانت الضفادع منشغلة ..
بعزف خلفية جنائزية
جادة ..
هادئة ..
رتيــــــــــــــــــــــبة.
مـــات
كان معى
يملأ الفراغات بالضحك والثرثرة،
ثم انتحى جانباَ،
واستقاء.
ولم يستطع الأطباء فعل شىء،
سوى العملية الناجحة،
وعندما وجؤونى بالخبر،
تظاهرت أننى أصدقهم
وبللت خدى من فمى
وخرجت أبحث عنه فى زوايا المدينة،
وفتشت عنه بين جموع المعزّين،
كان بعضهم
يشد على يدى
تماماَ تماماَ
كتوقيع الموظفين للحضور والانصراف
ثم جلست هادئاً،
فأنا أعرف شقاوته،
سيدخل الآن من الباب ضاحكاً،
ويفاجىء الجميع
وربما يعزينى أيضاً
هأ هأ هاااااااى
شقى !
ولكنى لن أقوم إليه،
وسأحرجه …
أنا لا أحب هذا المزاح الثقيل.
والله العَظيم مات
الشوارع مزدحمة بالعابرين ..
والمتسكعين.
السياراتُ ..
لامبالية تمرقُ
والعابرون ..
فى أمور أخرى يتحدثون
الجميع يتظاهر بأنه لم يمتْ
حتى بائع الفسيخ هذا
مازالت تنبعث منه نفس الرائحة
هكذا .. دون حياء
لافتات المحلات تومض
والباعة ينادون على البضائع
ليس إلى هذا الحد ..
تكون المبالغة
مع ذلك
ربما بدأت أفهم
نعم ربما !!
كنت مثلهم
نعم،تماما
ولكنه
والله العظيم ..
والله العظيم ..
مــــــات
* * *
نظرت لصاحب المحل
فى هدوء ..
يتوافق مع جلال الموت
ثم أشفقت عليه
من اجتياح المفاجأة
فمهدت له وقلت :
"تعرف .. كل الناس لابد أن يموتوا"
وقلت للقومسرى ..
وهو يزيحنى عنه بسرعة
"والله العظيم مات"
وصرخت فى بائعة الليمون
وهى تردد
"ياعينى بابنى"
وكذلك فى السائق ..
الذى كاد يصدمنى ..
وهو يصيح فى بلاهة ..
"أنت الغلطان"
أكدت للجميع
ووصفت لهم الغطاء الأبيض المرقع بدمائه
وقلدت لهم الطبيب
الذى كان يتكلم فى هدوء
حتى لف الخبر حول رقبتى
هو أيضاً لم يكن يصدق
لأنه بعد خمس دقائق فقط
رأيته يبتسم للممرضة العابرة
الجميع يصر أن يمصمص شفتيه فقط
والله العظيم مات
فى قسم الشرطة
أقسمت لهم
وأقسمت أننى لست إرهابياً
وأننى لاأحمل أى جنزير حديدى
ولاأحمل غير ملامحه على وجهى
ولكن هذه هى الحقيقة
وفى المستشفى
صحت فيهم :
"لست مجنوناً"
واليوم هو الجمعة
ولكننى لاأستطيع أن أتنبأ ..
هل سيأتى الغد متظاهراً
أنه مجرد يوم جديد !؟
ليس الأمر بهذه البساطة
لقد مات
مات تماماً
هكذا ، قد مات
كأى شخص آخر يموت
والله العظيم مات
والذين كانوا معى بكوا
واتسعت أحداقهم
وقال لهم الطبيب
إنه فعل كل شىء
مع ذلك
لماذا لاأصدقهم
ربما
ليس من المعقول
أن يكون الكون كله متواطئاً
ثم إن النظر يخدع
ربما كان كابوساً
كل تصرفاتهم
كل حركاتهم
برامج التليفزيون
مناهج الدراسة
مواعيد العمل
الكون كله يؤكد أن شيئاً لم يحدث
نعم
يجب أن أصدقهم
يااااه !!!
كم تكون الأشياء جميلة
عندما نرى الحقيقة
لن أناقش الأمر ..
مع أحد، بعد الآن
نعم
أمر سىء جدا
أن أكون مروجاً
للإشاعات.
شهـيد
كان كصمت الأشجار ..
يصمت.
كزهر الأشجار ..
يتكلم.
مع الريح ..
يتمايلان
ويرفع يديه
فأميزه بين أذرع النخيل المتضرعة
ويضىء فى قيام الليل
بنجوم كأنها الدمع
* * *
تماما ..
كان طائراً من الطيور
تقصده بنادق الصيد
يرفرف بين الرصاص
فى معارج السماء
سحبوه على الأرض
ركلوه
نزف قميصه ..
من كل الأماكن التى تمزقت
وجسده الهزيل الذى ..
ينوء تحت كلماته الهائلة
أصبح الآن مسجى ..
مغطاً ..
بكلمات ساذجة من الأسف
وحسرات ذابلة.
لست وحدى
رفع عينيه من تحت ذراع أبيه الجريح
رفع عينيه..
للمرة الأخيرة
ونظر فى وجه أبيه
ثم فى الوجه العسكرى المصفح..
والأذرع المدججة
وأغمضهما
وهو يحلم أنه قد أسلم قدميه للريح
* * *
محمد الدرة
ياحمامة بيضاء ..
فوجئت تحت مطر الرصاص
* * *
منذ قليل ..
نال قبلة أمه
ودعته عند فرجة الباب
كان يبتعد،
بينما دعواتها مازالت تظلّه
حاملاً حقيبته المدرسية
وشطيرة من الزعتر
وزيت زيتون
كان يرتب فى مخيلته
صفحات الدرس
ولعبة انتصار جيوش المسلمين
ومضى تحت ذراع أبيه
* * *
كلما أخفيت وجهى فى زحام العابرين
فوجئت به بينهم
يلوح ويختفى بينهم
يشير إلى عينى وصدرى
كلما رفع رأسى ..
فوجئت به بين سحابتين
يشير إلى عينى وصدرى
لماذا يقصدنى أنا
صحيح أننى كنت أقتل اليهود ..
فى أحلام الليل،
وأنكل بهم فى أحلام اليقظة.
صحيح أننى كل ليلة ..
بعد أن أغمض عينى ..
أعلن الحرب بصفتى أمير المؤمنين ..
وتخرج من خلفى الجموع
ولكن ..
لماذا تحاصرنى الآن فى الطرقات
ولم أصبح أمير المؤمنين بعد
لماذا يحاصرنى ..
قلبك الشفيف ..
الذى فثأته الرصاصات
عيونك المفزعة خلف ظهر أبيك المصاب
إرتجافة الروح بين جنبيك الصغيرين
عجز أبيك ..
وكف أبيك..
تلوّح بين زخات الرصاص
أعجلوه بموتك
قبل أن يشرح موقفه
بأنه أب لطفل صغير
أحب الحياة ..
بعد أن رآه ..
ينتظره حاملاً قطع الحلوى الصغيرة
لست وحدى من يحمل ..
كل هذا فى رقبته
لست وحدى أبداً