والحارة
تبدو فى الليل من بعيد، وكأنها أحراش
استوائية بتكاثف مبانيها المتهالكة،
واختلاطها مع روائح محلات الفول والفلافل فى
الصباح والمساء، كأنها بقايا جيف عافتها
الضباع بعد أن قضت حاجتها منها، بينما يئز
الأطفال أزيزالزنابير حول المحلات وهم
يمارسون لعبة "صياد الحمام".
وكما
أصبحت روائح الفول والفلافل من معالم الحارة
الأزلية حتى إن أهلها لايساور أحدهم الشك
بأنها روائح سرمدية، خلقت بها الحارة منذ أن
دارت الكرة الأرضية فى مدارات الكون، بل إنهم
يشتاقون إليها ويحنون لها فى أسفارهم.
ورغم
أن هديل الشيخ "عبد العاطى" لايلبث أن
يملأ جنبات الحارة تبثه مئذنة المسجد الكبير،
إلا أن زئير أهل السوق المجاور، واستعراض
بعضهم لبضائعهم، يغطى على كل شىء حتى على
النهيق الذى ينبعث ويعلو كلما هدأ من قهوة
حسنين العمدة.
والشيخ
"عبد العاطى" رغم كبر سنه، يسير يتوكأ
على عصاه التى تشبه فرع شجرة، لم يشذبه له أحد
بعد، ويتنقل بين أهل الحارة يصلح بين
المتخاصمين، وربما اضطر إلى تعنيف أحدهم إذا
كان قد تجاوز حدوده، ولكنه لم يكن يروى عنه
أنه تدخل فى إحدى حالات الإفتراس، التى كان
قسم الشرطة ينفرد بالتعامل معها.
عندما
يهدأ الليل وتسكن جنباته، أسكن
أنا الآخر للقراءة، هناك بجوار حافة
الشرفة التى تشبه فرع شجرة نافر، فصاحب البيت
برز بهذه الشرفات المخالفة، وكاد الأمر أن
يصبح مشكلة لولا تفاهمه مع بعض موظفى الحى فى
مجلس المدينة، ثم إن الحارة كلها عشوائية
كالغابات الأفريقية المتشابكة.
وفى
مثل هذا الموعد كثيراً ماتنسل تلك المرأة
التى نفق زوجها منذ بضعة سنوات، وتطل من خلف
باب البيت أولاً، ثم تطل يميناً ويساراً،
وتنسل تتلوى بمشيتها الراقصة، وملابسها
العارية، لاأدرى إلى أى شق تأوى كل ليلة، ثم
قرب الفجر، كما ذهبت،تعود تأرز إلى الحارة ،
حادة اللفتات جاحظة العينين.
كثيراً
ما كنت أتخذ مكاناً منعزلاً على قهوة "حسنين
العمدة" لأرقب أسراب الموظفين العائدة من
العمل، حاملة حظاً يسيراً من السوق المجاورة
أو من الطريق الذى انتثرت على جانبيه الثمار
مكومة على عربات اليد أمام الباعة.
أما
أهم أحداث الصباح فكان "على" بائع
الجرائد، إذ يتقافز بخفته المعهودة، بين
الطريق والرصيف ويلقى بالجرائد فى الشرفات
والنوافذ، ويبسم للمارة عن سنتيه الأماميتين
البارزتين تحت شفته العليا، كسنجاب أليف، ثم
يدخل مسرعاً إلى كشكه الصغير الذى يشبه فجوة
فى أكبر بيت عشوائى بالحارة، - بيت حسن
الحرباء-، ورغم هذه الصفات، إلا أن زوجته كانت
تذرع الحارة كالبطة المزهوة، ثقيلة الأرداف،
شعرها المصبوغ، يشبه ريش الدجاج الملون، تلهو
به نسمات الغابات النافرة، بينما كانت
حقيبتها المصنوعة من جلد التمساح الطبيعى
تتأرجح على كتفها فى زهو، فهى لاتلبسها إلا مع
حزامها البنى، ولاتكاد تفوت فرصة تثبت
لجاراتها فيها أنه هو الآخر طبيعى ومصنوع من
جلد ثعبان الكوبرى، وهو من أخطر ثعابين
الغابة، لكنها لم تكن تضحى بوضع فرو الثعلب
على كتفيها إلا فى الحفلات الساهرة، عندما
تتزوج إحدى بنات الجيران، حتى تبدو فى كامل
أبهتها.
مولع
أنا بهذه الحارة البسيطة فالأحياء المنظمة
الفارهة تشبه الغابات التى تدخلت فيها
يد الإنسان فخربتها، وأفسد البيئة، وشوه
الطبيعة، وجعل أهلها غاية فى الحدة، وربما
الخطورة أيضاً، فهم أكثر الناس إصراراً على
التظاهر بغير طبائعهم.
لاأدرى
لماذا أشعر أنا الآخر، فى هذه الأيام، ومنذ أن
زاد وزنى، أننى فيل عجوز لم تعد أرجله الضخمة
قادرة على حمله، ولم أعد أعتنى بإخفاء هذه
الحقائق، لم أعد أيضاً أبالى بابتساماتهم
البلهاء أو الماكرة، فأنا أراقبهم من على
قهوة "حسنين العمدة" كل يوم، وربما
أتفحصهم أحياناً وأنا أردهم إلى أصولهم فى
الغابات الأخرى، رغم محاولاتهم للإختباء فى
جثث الآدميين.
اليوم
فى الصباح ضحكت منهم جميعاً، عندما رأيت
الدهشة تفترس وجوههم، مالذى يثـير الدهشة،
عندما أميل على صفحة النيل مركباً خرطوم
الغسالة فى فمى؟ أريد أن أشرب !!