إغتصاب
يعتبر
هذا الفيلم بحق أكبر ممثل للمعنى الجديد الذى
حاولت السينما أن تبثه على مدار تاريخها
الطويل، من أن الحب بين الرجل والمرأة هو
الخلاص والسعادة المنشودة لكل شاب وفتاة
وكبير وصغير، بل أضاف معنى جديدا آخر لم أكن
أتوقع أن تبالغ فيه السينما إلى هذا الحد
المستهجن، لقد استطاع الفيلم أن يقدم هذا
المبدأ الجديد فى شكل شاذ وغير منطقى وغير
مقبول، وهذا المبدأ باختصار مفاده أن البنت
لايمكن أن تجد طريقا للخلاص من كل شر إلا
بالحب ولن يستطيع أحد أن ينقذها سوى الحب، وأن
الشاب لا يوقظه من كل معانى السوء والضياع إلا
أن يحب فتاة.
تدور
أحداث هذا الفيلم حول ثلاثة من الشبان فى غاية
الشبق، وقد استبدت بهم الرغبة الجنسية، ورغم
أنهم لديهم وسيلة مدفوعة الثمن – بغض النظر
عن الحلال والحرام – إلا أنهم قد ملـّوا
منها، ويتوقون إلى امرأة جديدة، وقد أذهلهم
جمال بنت ركبت معهم الحويفلة – الميكروباص –
الشبان الثلاثة بينهم شاب اسمه ممدوح يقوم
بدوره الفنان "فاروق الفيشاوى"
يعتبر هذا الشاب هو العقل المدبر والمخطط
لهذه المجموعة الملعونة، الرغبة فى هذه
الفتاة كانت عارمة اتفقوا عليها جميعا وسول
لهم الشيطان أن يأخذوا المسكينة ليغتصبوها،
ونظراً لأن هذه الفتاة ذات شرف، وعفة فهى طوال
الفيلم تحاول الهروب منهم، عندما يأخذونها من
الحويفلة بحجة أنهم من الشرطة وأنها مجرمة
هاربة، وبالتالى لايستطيع أحد من الركاب أن
يدافع عنها ظناً منهم أن هؤلاء الشباب من
الشرطة بالفعل، وعندما يطلب منهم أحد الركاب
إبراز هويته ينهالون عليه ضرباً فيضطر
للخنوع، وبالطبع هذا فيه إسقاطة واضحة على
مايحدث فى هذا البلد النامى التعيس من تسلط
لبعض رجال الشرطة بحيث قد يدل تبجح البعض
وتطاوله باليد على أنه من الشرطة بالفعل، -
عموما ليس هذا هو الموضوع -
وفى النهاية بالفعل يأخذون البنت التى
تتمكن من الهروب منهم وتبدأ رحلة المطاردة.
يبدأ
الأمر بأن تستطيع البنت أن تدخل قسم الشرطة
ولكن يدخل الشباب خلفها بمنتهى الجراءة مدعين
أنها سرقتهم، ويبدأ الموضوع فى تحول مساره
إلى محاولة إثبات ذلك من عدمه.
ثم
يجدوا رجلا مع امرأة يتهيآن للمارسة هذه
الفاحشة، فيحاولوا أن يتركوا هذه الفتاة
العصية، ويغتصبوا المرأة التى مع الرجل ولكن
بعد محاولات جادة ، يخرج الرجل مسدساً ويطلقه
فيفروا هاربين.
الخطير
فى هذا الفيلم أن البنت تلجأ إلى فى البداية
إلى حيلتها وإمكانياتها الشخصية فلا تستطيع
أن تهرب منهم، فتلجأ بعد ذلك إلى الشرطة، ولا
يستطيع ضابط الشرطة أن يحميها منهم، فتلجأ
بعد ذلك إلى أناس طيبين رجل البيت يعتبر من
جيل سابق ولايستطيع أن يحميها منهم، إذ
يستطيع العقل المدبر لهذه الفئة الملعونة أن
يطرق الباب على الرجل مدعيا أنه أخو هذه
الفتاة وأنها هربت فى ليلة عرسها لأأنها تحب
واحد من شباب اليوم الذى لايقيم وزنا لا
للأخلاق ولا للدين ولا لغيره، ويكاد الرجل أن
يسلمها لهم بعد أن يقتنع بهذا الكلام ولكنها
تدخل الحمام وتهرب منه، تلجأ بعد ذلك إلى شيخ
فى مسجد فلا يستطيع أن يحميها منهم، عندما
يتكلمون مع الشيخ بنفس جرأتهم تلك على أنهم
أهلها وأنها هاربة منهم، فتهرب ثانية وتسقط
مغشياً عليها فى معسكر رياضى، حيث بعض الشباب
الممتلىء بالحيوية والقوة والفتوة ، فيظهر
الثلاثة وهم يعدون خلفها، ولكنهم بمنتهى
الجراءة يدعون أنهم أطباء وأنها فارة من
المستشفى وأنها مريضة بالإيدز وقد تعديهم إذا
اقتربوا منها، ولايستطيعوا فعل شىء، البنت
لجأت إلى كل شىء، إلى القانون المعمول به
بسطوته وسلاحه، إلى الدين بما يحتله فى نفوس
الناس ومن مكانة عند الله ممثلا فى شيخ
المسجد، لجأت إلى القوة العضلية لشباب رياضى
فى منتهى الفتوة والصحة، لجأت إلى الأعراف
الاجتماعية ممثلة فى الرجل المسن الذى لجأت
إلى بيته، لم يستطع أحد أن يحميها، لادين ولا
قانون ولا قوة عضلية ولا أعراف اجتماعية،
لاشىء ينجى هذه البنت، إنها فى هرب مستمر تلجأ
إلى كل شىء ممكن ولكن أحداً لم يستطع أن يفعل
لها شيئاً ليس هناك منجى إذا ليس هناك مهرب
ممكن.
إذاً
من الذى يستطيع أن يحمى هذه الفتاة المسكينة،
من الذى يمكن أن يأخذ بيدها وينقذها من أن
يفترسها هؤلاء الخنازير الثلاثة، وهى بنت
رقيقة مهيضة الجناح لاحول لها ولا قوة، لجأت
إلى الله والقانون والناس والقوة العضلية،
والحيلة فى الهرب، ولم ينفعها أحد، من .. ترى
من ، سوف ينقذها بعد ذلك، هنا يظهر الفارس
المجهول الذى لايقف أمامه شىء، الذى هو أقوى
من كل شىء، الذى يمكن أن ينقذ البشرية كلها
ويحيلها إلى جنة خضراء لا ثعالب فيها ولا
حيات، فجأة يدب الحب فى نفس هذا الشاب ويعود
إلى نفسه، إذ تشير أحداث الفيلم بصورة عابرة
أن هذا الشاب شاب طيب فى الأصل ولكنه تعرض إلى
قصة حب فاشلة أدت به إلى أن يغيب ضميره، إذاً
فالفشل فى الحب أيضا هو الذى يحول الطيبين إلى
أشرار، والحب الذى يدب فى صدره الآن هو الذى
أعاده فجأة إلى حمل وديع، ورغم أن هذا التحول
المفاجىء فى الفيلم كان غير مبرر بشكل كافٍ
إلا أنه حول هذا الإنسان إلى إنسان آخر
تماماً، يأمر أصحابه بأن يتركوها وأنها
لاتستحق منهم ذلك فهى شريفة يتمنى كل واحد
منهم أن تكون له أخت مثلها، فلا يرضى أصحابه
طبعاً – لأن الحب لم يدخل قلوبهم بعد- وهنا
يبدأ الصراع بينهم حيث يصفون بعضهم البعض
وتنجو البنت فى النهاية إلى بر الأمان مشبعة
بالجراح وهو جميعا مابين جريح وقتيل، كل هذا
بفضل هذا الحب الذى نجح فيما لم ينجح فيه شىء
فى الأرض ولا فى السماء، هذا الأمل الوحيد
والخلاص الوحيد لكل بنت لكى تشعر بالأمان فى
هذه الحياة المليئة بالأخطار والمشاكل، إنه
الحب الذى يجعل لحياتنا طعما، ويردها جنة
خضراء.
مالذى
تتوقعه إذاً من بناتنا أو أخواتنا، وهو الفن
يكرس لديهم يوماً بعد يوم هذا المعنى ويلح على
آذانهم وقلوبهم كل يوم بأن الخلاص هو الحب.
يقول
المثل الشعبى (الزن على الودان أمر من السحر)،
لماذا قال العامة هذا، ببساطة شديدة لأن
المثل الشعبى خلاصة حكمة وتجارب حياتية
طويلة، وكثرة تكرار أى أمر من الأمور يحرك هذا
الأمر من مساحة الرفض إلى مساحة من إعادة
التفكير فى الأمر من جديد، ومن مساحة التفكير
تلك إلى مساحة دارسة البدائل وإمكانية القبول
أو الرفض، ومن منطقة القبول أو الرفض إلى
منطقة القبول على مضض، ثم من هذه المنطقة إلى
منطقة القبول أو فرض الأمر الواقع.
لم
يكن الملاكم المعروف محمد على كلاى مجرد
ملاكم جيد، ولن تجد ناجحا فى الحياة يكون مجرد
صاحب عضلات فقط، بل كان صاحب فهم وفكر وذكاء،
وقد دله كل ذلك فى النهاية إلى اعتناق هذا
الدين العظيم، دين الله الخاتم الذى تحاربنا
أمريكا الآن من أجله، كان هذا البطل العظيم
بصدد مواجهة مع بطل العالم فى الملاكمة فى
عصره ولاأذكر اسمه، ولكنه كان يخرج كل يوم إلى
الإعلام قائلاً : أنه سوف ينتصر عليه بالضربة
القاضية وبالتحديد فى الشوط الثامن من
المباراة، ظل يردد هذا الكلام كل يوم وفى كل
لقاء والإذاعات تكرر هذا الكلام لطرافته
وبسبب تحديده وثقته للدور الذى ستتم فيه
هزيمة خصمه وكيفيتها، هذا التكرار والإلحاح
فى التكرار إنسحب تدريجيا على نفسية الخصم
الذى أصبح مرعوبا من الدور الثامن ومن الضربة
القاضية، حتى أدى فى النهاية إلى أن حدث هذا
بالضبط، ويفوز محمد على كلاى
البطل العظيم فى الدور الثامن بالضربة
القاضية فعلا.
عندما
سألوا عنترة بن شداد كيف تفوز على خصمك، قال :
أخال أن إصبعى فى فمه يعض عليها، وإصبعه فى
فمى أعض عليها، فأتألم كما يتألم ولكنى أصبر
نفسى قائلا إذا لم إصرخ أنا الآن سوف يصرخ هو
قبلى، ولو صرخت أنا، فهو
ولا شك كان على وشك الصراخ ولكنى تعجلت، إذا فالعامل النفسى من أهم العوامل
التى تؤثر على حياتنا وتوهمنا أحيانا كثيرة
بما قد لايكون حقيقياً، صحيح أن الفارس
العربى عنترة بن شداد كان بالفعل فارساً
مغواراً لايشق له غبار ولكن الأمر لم يكن
بالأسطورية التى تحدث عنها المتحدثون، فهو لم
يكن وحشاً نازلاً من السماء، يحارب الجيوش
المجيشة فيأكلها كلها، لايبقى منها أحد مثل
أبطال السينما الأمريكية أو الهندية
الساذجة، إذ يقف أحدهم بمسدس صغير وحوله مئات
من حاملى الرشاشات، كلهم يصوبون فيخطئون،
ولكنه وحده يصيبهم جميعا بهذه اللعبة التى فى
يده ويعود ينفخ فيه منتصراً.
وهذا
أيها السادة مافعلته السينما المصرية فى
تاريخها الطويل، من طرْق ٍعلى معنى الحب ليل
نهار، حتى أصحاب هذه الصناعة نفسها كثيراً
ماينتقدون أنفسهم على لسان أبطال بعض
الأفلام، عندما يقول أحدهم مثلاً فى اعتراض
على هذه السينما: "أنا لاأشاهد الأفلام
العربى كلها حب وفى النهاية البطل يتزوج
البطلة" ، تراودنى دائما رغبة فى أن أحاول
عمل إحصائية عن جميع الأفلام العربية التى
تناقش قضية أن البطل يحب البطلة ويريد أن
يتزوجها وطبعا ستواجهه صعوبات ثم فى النهاية
يتزوجها أو يفشل مما يسبب أحداثا أخرى من الحب
أيضا على مدار الفيلم" ولكنى أعرض عن ذلك
غالباً إذ أنه سيكون أشبه ما يكون بمحاولة عد
سيارات فى شارع حيوى على أن تكون كلها
ماشية على أربع عجلات.
لماذا
تحولت أفلام التراث إلى أفلام عشق ووله، حتى
فيلم (صلاح الدين) تم حشر قصة حب فيه، بل يقول
عنه ممثلوه أنه كان فى البداية قصة أخرى
تماما، لم يكن صلاح الدين هو البطل فيها، بل
قصة الحب هى الأساس وصلاح الدين فيها حدث
هامشى ثم تم تعديل الفيلم إلى الشكل الذى
نعرفه الآن، وفيلم (واإسلاماه) الذى يتحدث عن
قصة حب بين محمود وجهاد، وليس عند معدّى
الفيلم أى مانع من مجموعة من القبلات الساخنة
أو الأحضان الملتهبة بين محمود وجهاد فى قصر
شجرة الدر، ثم تبدو جهاد أو لبنى عبد العزيز
فى نهاية الفيلم، بحجمها الأنثوى الصغير،
وصوتها الضعيف المثير، والهواء يكاد يعصف
بها، واقفة تحمس جيوش المسلمين المنتصرة،
وغيره وغيره، كل تلك الأفلام التى أشعر
بالخزى والأسى عندما أراها تشوه تاريخنا
العظيم بمشاهد الحب الساذجة المحشورة فيها
حشراً.
هل
سيكون البعض ساذجاً حتى يظن أننى أحرم معنى
الحب، أنا لا أحرم ولا أحلل، بل وبغض النظر عن
أنه حرام أم حلال، الأمر لايستدعى تجنيد
السينما العربية بتاريخها الطويل، لتعرض هذا
الموضوع الواحد، لاشىء غيره، يكون الفيلم
سياسياً، ولكنك تكتشف فى النهاية أن الأمر ما
هو إلا قصة حب تحرك الشخصيات والأحداث، ويكون
الفيلم دينياً، ولكن قصة حب عظيمة يدور حولها
الفيلم وتؤثر بشكل مباشر وغير مباشر فى
الأحداث، يكون الفيلم تراثياً، ولكنه تراث
العشق الذى هو موجود فى كل زمان وأوان ومكان،
إنه العشق الذى لاينتهى، كيف تستمر الحياة
بغير حب وعشق ووله، كيف تكون الحياة حياة
بدونه، كل الأغانى تتحدث عن هذا الأمر،
الأغانى المحترمة لأصحابها المحترمين تتكلم
عن الحب باحترام وتقديرفتقول لنا أم كلثوم
مثلاً (وان مر يوم من غير رؤياك ماينحسبش من
عمرى)، والمطربات اللواتى هن دون ذلك أيضا
يغنين بطريقة دون ذلك فتقول إحداهن (بحبك
ياااااح).