Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

"أهــــل العـــــلم"

 

 

القرية فى هذه الأيام، مستلقية، على حافة الترعة البحرية، يأتيها الهواء محملا بروائح الليمون والبرتقال، فيشيع روحا ما من التوحد والارتياح ، والقرية تبدو من بعيد محاصرة بأسوار أشجار الكافور والسرو، ومع هواء العصر الأقل حرارة، يبدو صوت الأستاذ عبد العليم البسطاويسى هناك على الجسر الخشبى مابين القرية وسجاجيد الحقول اللانهائية المدى، إذ يجلس ماداً رجليه فى الترعة، ممسكاً بسنارته التى صنعها من البوص وخيوط أجولة السكر المتينة، وقد جعل لها - وهو العليم بمثل هذه الأمور- غمازاً صغيراً من فلين قوارير الخل الأبيض.

 

هكذا يجلس هناك، يراقب الغماز الطافى، وقد تعلق قلبه بحركته، وربما طال سكونه فيجذبه يميناً أو يساراً، ممنياً نفسه بجذبة قوية يغوص بها الغماز ساحباً قلبه معها، لايكاد يفصله عن التوحد مع الغماز شىء، اللهم إلا صوت أحدهم :

السلام عليكم ياأستاذ عبد العليم

فيبادره الأستاذ عبد العليم سائلاً،

-    قل لى، لماذا يعيش السمك فى الماء.

-    هاه

-        هل تعرف لماذا ؟

أنا أقول لكم ياأغبياء، لأن السمـك له خياشـيم وليس لـه رئتان، ثم إنه شىء بالعقل، إذا لم يعش السمك بالماء، فمن الذى سيعيش بالماء !؟  ثم يتمتم فى استياء، بهايم، لافائدة فيكم.

 

ثم إنهم لو سألوه عن شىء فلامانع عنده إطلاقاً من أن يجيبهم، فليس عيباً على الإطلاق أن يسألوه، لأن عدم العلم هو الجهل، وعدم السؤال، يزيد الجهل، وإنه ليتعجب كثيراً، من أن قوماً من بينهم لايعلمون ومع ذلك يتحرجون من سؤاله رغم أنه لم يمنع أحداً عن ورود حوض من أحواض العلم قط.

-    ياجماعة العلم أمانة وهذا مايؤرقنى، فلاتحملونى أكثر من طاقتى، بالله عليكم هل سألنى أحد منكم ذات مرة فنهرته !؟ ، أو استشكل عليه فهم شىء من أمور العلم فأحجمت أنا عنه !؟

-    هاه قولو لى، لايستحى أحد منكم !؟

لم يعد إبراهيم أبو إبراهيم يسأله عن شىء أبداً، بعد أن سأله تلك المرة عن حكمة الحج، فصرخ فى وجهه، ألا تريد للناس أن تحج يا إبراهيم، فاستغفر إبراهيم بسرعة ، وهم بتوضيح موقفه، ولكن الأستاذ عبد العليم كان قد مضى مبتعداً، فى غمامة من الحوقلات، والاستعاذات.

 

والأستاذ عبد العظيم ليس مجرد مدرس بمدرسة البلد الابتدائية، وهو لايدعى مع ذلك العلم، فلم يسمعه أحد يقول عن نفسه "أنا عالم" قط، صحيح أنه علم معظم أجيال البلد، ولولا فضل الله عليه، ماكانت هذه الأجيال تعلمت، ولكنه لم يدّع العلم قط.

 

ورغم أن كثيرين منهم بهائم ولافائدة من تعليمهم ولن يفلحوا أبداً، إلا ّ أن كثيرين منهم أيضاً، أصبحوا مدرسين أو موظفين فى الوحدة الزراعية، والله العظيم "حسن عبد المقصود" المحامى كان تلميذ عنده فى فصل أولى خامس، والمشكلة أنه لايستطيع أن يضمن هؤلاء الطلبة بعد ذلك إذ أنهم من الممكن جداً أن يخيبوا عندما لايجدوا مدرسين أكفاء على مستوى يرقى إلى القدرة التعليمية والكفاءة المدرسية.

 

وبعد صلاة الجمعة الماضية سألته الحاجة إصباح رغم تحذير زوجها لها،  بينما كان عائداً من الصلاة فى هدوء العلماء ومهابة أهل العلم، يرفل فى الثوب الأبيض الوسيع وتعمل أصابعه بهدوء على السبحة ذات الحبات الكبيرة :

-         يا أستاذ عبد العليم، أنا ذبحت البطة ونسيت أسمّى، هل الأكل منها حرام.

صاح الأستاذ عبد العليم :

-         آهو أنتم كذا ياأهل البلد، تعملون الغلط، وبعدها تسألون، ثم صاح ثانية، لماذا لم تسألينى قبل أن تذبحى البطة، هاه ؟

-         أصل الحكاية ياأستاذ عبد العليم

كان الأستاذ عبد العليم قد غاب خلف ضباب من التهليل والتسبيح والحوقلة.

 

بعد صلاة العشاء، عندما يجتمعون على مسطبة الحاج على، فيلبثون عليها بعضاً من أول الليل، يفتشون فى ذكريات الماضى، يضحكون تارة أو يطأطىء رؤوسهم الحزن فيذكرون من سبقهم إلى الدار الآخرة، أو يتحسرون على شباب اليوم الذين سرقهم التلفاز من أهلهم وأرضهم، ومدارسهم، فأصبح جيلاً، لايعرف معروفاً، ولاينكر منكراً.

 

فى هذا الوقت من الليل عندما يكون أزيز البعوض، حولهـم لــه بعض لسعات الماضى يبدأ الأستاذ عبد العليم يربع رجليه، ثم يرفع صوته قليلاً، قائلاً :

"هييييه، سبحان علام الغيوب" بينما يخفق ثوبه الوسيع يحرك الهواء الذى سكن، "والله ياجماعة العلم ذا، أمر عظيم وهذا هو السبب الذى من أجله خص الله تعالى به نفسه، وما أعطى لعباده منه إلا الحظ اليسير، عندك مثلاً، العلماء، كل علمهم ما هو إلا ومضة من فيض نوره، والله العظيم ياجماعة أنا أشعر تماماً بأن كل ماأوتيت ماهو إلا ومضة من فيض نوره، لاأدرى لماذا يشعر العلماء بالغرور بعلمهم، ربما يكون من قلة الإيمان، أما بالنسبة لى فالأمر يختلف تماماً، نعم تماماً، لايجب أن يغتر الإنسان بعلمه أبداً، أو يحجبه عن أحد، فحجب العلم فى منتهى الخطورة، وقد يؤدى إلى زوال نعمة العلم عنه"

 

ثم يضرب بمذبته بعوضة ما، تئز إلى جوار أذنه، وهو يعتدل فى جلسته قائلاً، بالله عليكم ياجماعة ، لاداعى للمجاملة، هل سألنى أحدكم عن شىء فلم أجبه، قل لى أنت ياشيخ الخفر، فيهز الشيخ سليمان المسبحة المتدلية من كفه، ويرفع التقية قليلاً وهو يقول :

-    الدنيا تغيرت ياأستاذ عبد العليم ، كان شيخ الخفر له وضعه وكلمته، لكن كل حاجة تغيرت.

-    صحيح، الناس لم تعد تقدر لاصاحب علم ولاصاحب منصب.

-    الآن العمدة نفسه لم تعد له أى قيمة.

-    ولكن العلم "ياشيخ سليمان" أصحابه مقدرون فى كل زمان وكل مكان إلا فى هذه الأماكن المتخلفة، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال أن العلماء ورثة الأنبياء.

فيتظاهر شيخ البلد بتعديل جلسته وهو يغمز لعلى الخفير بطرف عينه ويقول :

-         أنا عندى سؤال، بعد إذنك ياأستاذ عبد العليم

-         تفضل ياسيدى، ليس عندى أى مانع، طبعاً، وما المانع، هاه ؟

-         بخصوص الزكاة، كنت أريد أن أسألك عن الفرق بين زكاة الثمار وزكاة المال.

إحمر وجه الأستاذ عبد العليم وهو يقول :

-         آهو أنتم كذا يا أهل البلد.

-         (بخبث) ماذا أغضبك ياأستاذ عبد العليم ؟، كل مافى الأمر أن جمع القطن بعد شهر، وأريد أن أعرف.

-         على فرض أنك صحيح تريد إخراج الزكاة ياشيخ البلد، أخرجها ياأخى من دون تنطع فى الأسئلة، وكلما كنت كريماً، فاعلم أن الله أكرم.

-         لكن ياأستاذ عبد العليم ...

-         ياأخى "لاتسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"، هذا هو الرد وخلصنا، ولاداعى للتنطع فى الأسئلة.

 

وفى الجامع الكبير، لم يستطع الأستاذ عبد العليم رفض طلب العمدة وشيخ البلد، طبعاً، إذ أن الشيخ "ابراهيم" - رحمه الله – كان قد توفاه الله ليلة الخميس، ولم يكن العمدة قد أبلغ "الأوقاف" بالاحتياج إلى خطيب بعد، وعندما قال العمدة هذ الكلام للأستاذ عبد العليم، تأثر تماماً، ولكنه نظر فى الأرض بأسى ثم قال :

-         لا ياعمدة،  أنت تعرف مدى حبى لرجل العلم - الشيخ ابراهيم-  رحمه الله، وأخشى أن أقف وقد تملكنى البكاء، فلا أنطق بكلمة واحدة، وإلا – والله -  لسمعتم منى اليوم خطبة ماسمعتم مثلها قط.

-         أنا أقدر مشاعرك ياأستاذ عبد العليم لكن ياأستاذ عبد العليم، ماكان يمر يوم بدون مشكلة بينك وبين فضيلة الشيخ، وكان دائماً يقول لك، لاتــُـفـْـتِ  بغير علم ياأستاذ عبد العليم، وأنت صحت فيه آخر مرة أمامى، ليكف عن إهانة العلم والعلماء، ولكنه كان يقول لك، إقرأ أولا ، وأنت تقول له "أنا الذى علمت هذه البلد القراءة وليس أنت".

-         هذا خلاف علماء ياعمدة، لاعلاقة لك أنت به.

تنهد العمدة وهو يسدل يديه

-         وما العمل الآن ياأستاذ عبد العليم.

فرد الأستاذ عبد العليم يديه،  وهو يهز كتفيه ببساطة، ثم قال كالذى يذكر مسلمات :

-         أى واحد من تلاميذى يصلح ياعمدة .

بعد الصلاة شد الأستاذ عبد العليم على كتف الأستاذ / حسن عبد المقصود المحامى وهو يقول "رفعت راس تلامذتى بخطبة اليوم".

 

عندما عاد الأستاذ عبد العليم ، أخذ الكرسى الخيزران وأمام باب الدار الموارب، جلس يقص أظافره، بينما كانت زوجته على مقربة منه، خلف الباب، ويداها تعملان فى حركة آلية بمخرطة الملوخية، عندما قال :

 

"أنت كنت صغيرة ياحفيظة أيامها، أيام الملك، المديرية أرسلت خبيراً، إنجليزياً، وعندما نزل إلى البلد، أرسل لى العمدة "على الخفير" – الله يرحمه - وقال لى ياأستاذ عبد العليم العمدة يسلم عليك، ويقول لك لابد أن تحضر حالاً، هناك رجل من أهل العلم يريدك أن تكلمه، وكان الخبير أبيض مثل الشمع، وطويل، وعندما رآنى ابتسم وقال وهو يسلم علىً :

-    يــو

والله العظيم قال لى "يـــو"، وكان معه مصرى من أهل العلم، أخبرنى أنه يقول لى  "كيف حالك"، أنا طبعاً قلت له ياأهلاً وسهلاً، ياألف مرحبا، نورت البلد، وكلمه الرجل المصرى الذى معه بالإنجليزية، وبعدها ذهبنا إلى أول البلد هناك عند الكوبرى، لم يكن هناك كوبرى أيامها، والعمدة عمل أكلة يومها، والله العظيم تكفى البلد كلها وبعد أن ذهبوا عرفت من العمدة أنهم جاءوا لبناء الكوبرى، وبعد أن انتهو من الكوبرى كان الكوبرى يفتح ويقفل لما تمر قوارب عالية من هنا، لكن كل هذا الآن ممنوع، طبعاً، لأن الله رفع العلم من الأرض وهذه من علامات الساعة."

كان يخفق بثوبه وهو يقول، والله ياحفيظة، لا أدرى بعد موتى من الذى سيحمل الراية ؟، هييه دنيا، إغتنمى الفرصة ياحفيظة، إذا كان عندك أى سؤال.

 

كانت يداها تعملان فى محاولة للتوازن بالمخرطة، وعلى وجهها سمات جامدة كأنها محفورة فى وجهها المستطيل، بنظراتها الغائرة فى فراغ بعيد، بينما سقطت قشة من منقار عصفور ينبش السطح، فبدت من الباب الموارب وهى تتهاوى فى كسل هواء الظهيرة البليد.

 

[اتصل بنا]    [الصفحة الرئيسة]      [القصة]